Assawra

Site du Mouvement Démocratique Arabe

Accueil > Liban > <DIV align=right dir=rtl>الوضع السياسي في لبنان والمنطقة الصراعات (...)

<DIV align=right dir=rtl>الوضع السياسي في لبنان والمنطقة
الصراعات الأميركية-الروسية وانعكاسات خطة تقاسم الأسواق</DIV>

vendredi 7 mars 2014, par La Rédaction

مقدمة

تؤكد التطورات الاقتصادية في الساحة الدولية أن الأزمة الرأسمالية ليست في طور الحل، على الرغم من كل التدابير التي اتخذت من أجل الخروج منها. وإذا كانت بعض التقارير الصادرة عن مرجعيات اقتصادية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قد حاولت إعطاء جرعة من التفاؤل، من خلال الإيحاء بأن تخطي الأزمة بات وشيكا، إلا أن الأوضاع تعطي صورة مغايرة : فلا زيادة أجور العاملين في القطاع العام في الولايات المتحدة أعطت دفعا جديدا للاقتصاد المتهاوي، ولا هي ساهمت في دعم الدولار؛ كما إن المشاكل التي يعاني منها الاتحاد الأوروبي الى ازدياد، بدءا بارتفاع نسب البطالة والفقر عموما ووصولا الى حالات الإقفال والإفلاس التي لم تعد محصورة بالمؤسسات الكبرى بل تتفشى داخل الشركات المتوسطة والصغيرة؛ هذه الحالات بدأت تهدد جديا وجود ما يسمى بالطبقة الوسطى التي شكّلت، حتى الآن، صمام أمان لاستقرار الأنظمة الرأسمالية الأوروبية.
في ظل هذا الواقع الرأسمالي المأزوم، والمسدود الأفق على المدى المنظور، تزداد الصراعات الحادة الدائرة حاليا بين القوى الرأسمالية على إعادة اقتسام العالم، بدءا بمصادر الطاقة ووصولا الى الأسواق. وتتجلّى هذه الصراعات في أكثر من قارة وعلى أكثر من صعيد، بدءا بالأزمة الأوكرانية، ومن قبلها المؤامرات التي تحاك لاستعادة فنزويلا الى الحظيرة الامبريالية الأميركية واستمرار التصعيد في المنطقة العربية، بمشرقها ومغربها، امتدادا الى إيران وأفغانستان..
فالهجمة الامبريالية الجديدة في تلك المناطق الثلاث إنما تهدف لتثبيت واقع جديد الهدف منه الحؤول دون تمكن القطب العالمي الجديد، بقيادة روسيا، من الاستمرار في محاولاته لتعديل ميزان القوى العالمي لصالحه ومنافسة واشنطن، ليس فقط في بعض مناطق نفوذها، كما في الشرق الأوسط، بل كذلك في عقر دارها من خلال انضمام البرازيل الى مجموعة دول البريكس والعلاقة المتطورة بين تلك المجموعة والعديد من بلدان أميركا اللاتينية، بدءا من كوبا وفنزويلا ووصولا الى الشيلي والإكوادور. في هذا السياق، كان "الانفتاح" الأميركي - الأوروبي تجاه النووي الإيراني، وكذلك المرحلة الجديدة من المعركة التي تخوضها القوى الرجعية الفاشية الفنزويلية ضد الرئيس نيكولاس مادورو. وفي هذا السياق أعيد فتح معركة انضمام أوكرانيا الى الاتحاد الأوروبي وتاليا الى حلف الناتو، في محاولة لتضييق الخناق على الدولة الروسية وسحب من تبقى من جيرانها المباشرين الى الحلف الأميركي - الاتحادي الأوروبي، استكمالا للمعركة التي جرت منذ بضع سنوات على ابخازيا وجورجيا وأوسيتيا.
ويذكّر هذا الوضع - كما أشرنا مرارا - بحالة شبيهة نشأت في أوائل القرن العشرين الماضي وأدت، في ما أدت إليه، الى اندلاع الحرب العالمية الأولى وما سبقها ولحقها من تركز مناطق النفوذ الاستعماري ومن حروب ساخنة وباردة. وإذا كنا، اليوم، بصدد التذكير بمرور مائة عام على اندلاع هذه الحرب العالمية، فإنما نفعل لكي ندرس جيدا ما جرى في تلك المرحلة بما يساعد على استخلاص الدروس في كيفية المواجهة مع حالات قريبة من تلك الحالة الماضية، على الرغم من وجود أوجه اختلاف ظاهرة بين الحالتين، خاصة لجهة تركز الرأسمالية بعد أن استطاعت من أن تستعيد جزءا مهما مما فقدته في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وما تبعه من تراجع للحركة المعادية للامبريالية.

موقع الدول الإقليمية في الصراع بين الأقطاب الرأسمالية

تحتل منطقة الشرق الأوسط، اليوم، الموقع الأول في الصراع بين الأقطاب الرأسمالية على منابع الطاقة وطرق نقلها. ومع اتساع الكباش الأميركي – الروسي على العالم، بدأت ترتسم أدوار، جديدة في مظهرها قديمة في أساسها، للدول الإقليمية التي تدور في فلك القطبين المتصارعين ونعني بتلك الدول : إسرائيل وتركيا وإيران والسعودية.
أ – فالكيان الإسرائيلي، الذي تراجع دوره لبضع سنوات، إن بفعل الوجود العسكري الأميركي والأطلسي المباشر اثر العدوان على العراق أم بعد الفشل الذريع الذي مني به في العام 2006 في لبنان، قد عاد الى الواجهة كراس حربة للامبريالية الأميركية في المنطقة العربية بل والشرق الأوسط ككل. يضاف الى ذلك اعتماد واشنطن لإسرائيل في أكثر من مهمة اقتصادية وأمنية في أفريقيا، بدءا بمنطقة دارفور السودانية ووصولا الى دول المغرب العربي الأخرى؛ ولا ننسى، كذلك، الدور ألاستخباراتي الموكل لإسرائيل في العديد من بلدان أميركا اللاتينية، ومنها فنزويلا بالتحديد. وتقول التقارير الصادرة عن بعض مراكز الأبحاث الأميركية أن هذا الدور الآخذ في الاتساع إنما يعود الى كون واشنطن، على الرغم من التطبيع الجزئي الذي تم في العلاقة مع إيران، لم تستبعد نهائيا احتمال اللجوء الى الحل العسكري، الأمر الذي يعزز وضع تل أبيب في المعادلة الشرق أوسطية. أما الدور الإسرائيلي في أفريقيا، فمرشح هو الآخر للازدياد، بدءا من جنوب ليبيا ومنطقة دارفور، من جهة، وفي المناطق الجنوبية، من جهة أخرى.
هذا الدور المستجد على أكثر من صعيد وفي أكثر من منطقة في أساس الحل الأميركي المطروح اليوم لتصفية القضية الفلسطينية وإخراج الدولة اليهودية الى الوجود.
2 – بالمقابل، ومع عودة إسرائيل الى موقعها السابق في السياسة الدولية للولايات المتحدة، يشهد الدور التركي في المنطقة تراجعا ملحوظا. فبعد أن أعطيت تركيا الموقع الأول في عمليتي مد خط "نابوكو" لنقل الغاز الى أوروبا ومصادرة الثورة السورية السلمية الديمقراطية من قبل القوى المضادة للثورة المدعومة من المحور الأميركي - الأوروبي- التركي - السعودي، تراجعت أسهم أردوغان وحزبه مقابل ارتفاع أسهم قوى برجوازية أخرى، ومنها بالتحديد حركة غولن Gülen، التي وجدت في التحرك خلال الأشهر الماضية فرصة للإلتفاف على أهداف الحركة الشعبية ومحاولة الوصول إلى السلطة السياسية دون إحداث أي تغيير في موقع تركيا ودورها. وإذا كان أردوغان يحاول ، اليوم، عبر التوجه الى إيران التخفيف من الأزمة الاقتصادية التي تسببت بها سياسات حكومته، إلا أنه من المرجّح ألا ينجح في إمرار مخطط التجديد الذي كان يطمح إليه.
3 – أما بالنسبة لإيران، وخلافا لرأي بعض المحللين السياسيين الذين تعاطوا مع فوز الرئيس حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية الإيرانية على كونه يؤشر إلى "تحول" إيران باتجاه الاعتدال، فان التغيير الذي تم يدل على مسألتين : الأولى، استيعاب الوضع السياسي الداخلي الذي شهد حركات احتجاجية قمعت بعنف في ظلّ تعتيم إعلامي؛ والثانية، السعي للخروج، أو للتخفيف، من حدة الأزمة الاقتصادية في إيران. وبالتالي فإن "التحول" على المستويين السياسي والاقتصادي يصب في مصلحة الحفاظ على حكم التحالف الطبقي البرجوازي ذي الوجه الديني السياسي، ومن نتائجه "اتفاق جنيف" حول الملف النووي الإيراني، دون أي ذكر للسلاح النووي الإسرائيلي.
4 – أما السعودية، فاستعادت، بقرار أميركي، دورها كدولة ذات نفوذ إقليمي، بعد مزاحمة مع قطر دامت عدة سنوات. وهي اليوم عادت إلى موقع اللاعب الأساسي في الساحتين السورية واللبنانية، على رغم التقارب الأميركي – الإيراني وما يمكن أن يشكله من تهديد لها. لذلك عمدت إلى تغييرات داخل أسرتها الحاكمة، عنوانها عدم تغطية "الجهاديين" بعد تراجع الموقف الدولي عن دعم القوى الإرهابية التي هي من صنعه يحركها ويعومها و"يحاربها" ساعة يشاء وفقاً لمصالحه المعادية للشعوب ولأهداف الثورة.
وعليه، فإن التغيرات التي تشهدها الدول الإقليمية الموزعة بين محوري الولايات المتحدة الأميركية وروسيا هي تغيرات شكلية تقتضيها مصالح تلك الدول في الحفاظ على أنظمتها القائمة، التي يجمعها، على مستوى نمط الإنتاج أنها ذات نمط إنتاج ريعي تابع؛ وأما على المستوى السياسي فإنها أنظمة مذهبية سياسية، بما فيها تركيا التي قيدت فيها العلمانية مع وصول حزب "العدالة والتنمية" إلى الحكم وبرز الوجه الديني المذهبي السياسي على مستوى سياساتها الخارجية. وبالتالي فإن تلك الدول الإقليمية تشكل مجتمعة، بطبيعة أنظمتها المذهبية السياسية ونمط إنتاجها، قاعدة موضوعية لمشروع "الشرق الأوسط الجديد" القائم، كما أسلفنا، على تأجيج النزاعات الدينية والمذهبية بهدف تفتيت منطقتنا إلى دويلات دينية ومذهبية سياسية يجد فيها العدو الإسرائيلي مبرراً لإعلان "دولة اليهود" في العالم على أرض فلسطين المحتلة.

الوضع العربي عموما : من الثورات الى الحروب الدولية

وفي الوقت الذي يعاد فيه تنظيم موقع الدول الإقليمية الكبرى ودورها في الصراع الدائر بين الأقطاب الرأسمالية، تشهد المنطقة العربية، اليوم، بعد مرور ثلاث سنوات على الانتفاضات والثورات التي تنقلت من تونس الى مصر واليمن والبحرين والكويت وسوريا ولبنان، تغيرات سياسية في غاية الأهمية وغاية الخطورة في آن.
فمن جهة، شكلت الشعارات التي رفعتها ثورتا مصر وتونس، وبالتحديد ثورة 30 يونيو 2013، الرد على "مشروع الشرق الأوسط الجديد" ومحاولات تفتيت العراق، بعد احتلاله، وأعادت الصراع العربي – الإسرائيلي والعربي – الامبريالي الى موقعه الطبيعي. واستقطبت هذه الشعارات، في معظم البلدان العربية، جماهير واسعة تنادي بالخلاص من التبعية والفقر والتخلف وبتحرير الثروات العربية، القديمة والمكتشفة حديثا، من أيدي القوى الامبريالية المهيمنة على منطقتنا، وعلى رأسها الامبريالية الأميركية، إضافة الى الخلاص من البرجوازيات العربية التابعة والعميلة التي برهنت، خلال السنوات الماضية، أنها مستعدة لتمزيق الوطن العربي وقتل ما أمكن من أبنائه في سبيل الحفاظ على مصالحها ومصالح أسيادها. وتجدر الإشارة هنا الى أهمية السقوط السريع المدوّي لحكم "الإخوان المسلمين" في مصر ومن ثم تونس، وما نتج عن ذلك من تغيرات سياسية ودستورية، في ظل تنامي دور الحركة العمالية والشعبية ذات البعد الجذري، وفي ظل قيام جبهات سياسية ذات بعد يساري وتستند الى برنامج ثوري للتغيير. إلا أن هذا النجاح لم يمنع، من جهة أخرى، قوى الثورة المضادة من أن تفعل فعلها.
فهذه القوى، ورغم الفشل الذي أصابها، لم تيأس بعد في سعيها لتخريب النجاحات الثورية التي تحققت. فهي تلجأ تارة الى العنف والإرهاب (كما هي الحال في مصر) وطورا الى الاستفادة من القوى السياسية الدينية المتطرفة الآتية من كل حدب وصوب، والتي تحتشد اليوم في المنطقة العربية تحت شعارات "جهادية"، للتقدم بضعة خطوات على طريق استعادة أنظمتها من اجل استكمال ما كانت الامبريالية الأميركية قد توصلت إليه، إن في السودان أم في العراق، من تقسيم وفوضى وقتل ودمار تأسيسا لإنجاح "مشروع الشرق الأوسط الجديد"... من بين تلك الخطوات المساعي الجارية للسيطرة على انتفاضة البحرين ولتفتيت اليمن الى ولايات وأقاليم، بينها أقاليم خاضعة لسيطرة "القاعدة"، وما يحضّر للمناطق الجنوبية في ليبيا من اجتياح، بحجة القضاء على الإرهاب الذي أوجدته الهجمة الامبريالية. يضاف الى ذلك، وهنا الأخطر، السعي لتفتيت سوريا بعد التدمير والتهجير المنظّمين اللذين تخضع لهما، وما يمكن أن يكون لهذا المخطط من تداعيات على كل الدول المحيطة بسوريا، خاصة على لبنان المتأثر بالحرب الدائرة على طول حدوده الشمالية – الشرقية. هذه الحرب التي أصبحت جزءا من الحياة اللبنانية اليومية، إن بفعل التقاتل المذهبي الذي يلقى التشجيع المادي والمعنوي من القوى الدولية والإقليمية الداخلة في الحرب السورية أم بفعل وجود أكثر من مليون مهجّر سوري نقلوا معهم هواجسهم ومشاكلهم وحتى تناقضاتهم التناحرية.
ولا ننسى خاصة الدور الجديد المرشح أن يناط بإسرائيل ضمن الخطة الأميركية للمنطقة، إن في مراقبة ما يمكن أن يكون عليه الوضع في مصر، وخاصة الدور المصري الجديد عربيا، أم في ما يتعلّق بضبط الوضع على صعيد المغرب العربي، وامتدادا الى داخل القارة الأفريقية، أم أخيرا، وربما هذا هو الأهم، ما يمكن أن يقدمه الموساد الإسرائيلي من مساعدة في بعض مناطق أوروبا الشرقية المتاخمة لروسيا وحيث النفوذ الروسي لا يزال مؤثرا. من هذا المنظار يجب النظر الى التحرك الأميركي الذي انطلق في النصف الثاني من العام 2013 باتجاه تسريع مشروع "الدولة اليهودية" المترافق مع خطة تصفية القضية الفلسطينية.

"جنيف 2" وفشل الحل السياسي للأزمة السورية

في ظل هذه المعطيات والأوضاع غير المستقرة، بل وغير الآمنة، انعقد مؤتمر "جنيف 2" للبحث في حل سياسي للأزمة السورية، بعد سلسلة من عمليات المماطلة والتأجيل استمرت حوالي الثمانية أشهر. وقد كان من المتوقع لهذا المؤتمر أن يفشل؛ وهذا ما جرى، إذ لم يسفر عن أية نتائج ايجابية تذكر. بل على العكس من ذلك، عاد الصراع بين الولايات المتحدة وروسيا، هذه المرة، الى نقطة الصفر بالنسبة للحل، بدءا بخارطة الطريق التي يجب إتباعها وللأولوية بين "محاربة الإرهاب" (التي يصر عليها ممثلو النظام السوري) و"الحكومة الانتقالية" (التي تشكل الشرط الأول للمعارضة الخارجية، المتمثلة بالإتلاف الوطني).
أما لماذا انعقد هذا المؤتمر، وفي أوائل العام الحالي، فالأسباب والدوافع عديدة ومتشعبة.
السبب الأول للموافقة على اللقاء في جنيف هو، دون أدنى شك، الوضع الذي وصلت إليه كافة القوى العسكرية المتصارعة والتي لم تستطع حتى الآن أن تحسم سيطرتها على أي من المناطق السورية. فلا قوى النظام ولا المعارضة استطاعتا إجراء تغيّرات عسكرية ملموسة "على أرض الواقع"، على الرغم من شراسة الهجمات والهجمات المضادة التي تشن منذ النصف الأول من العام 2013 وحتى اليوم ومن كل عمليات الكر والفر التي طالت بنارها قسماً من الحدود اللبنانية. فالانتصار في معركة القصير بقي انتصاراً يتيماً بالنسبة للنظام الذي لم يفلح في تغيير موازين القوى في أكثر من مكان، إن في القلمون أم في حلب وغيرهما.
ويكمن السبب الثاني في المعارضة نفسها، من خلال تعدد مواقع القرار فيها والتنسيق المفقود بين أطرافها الأساسيين، خاصة بين معارضتي الخارج والداخل. يضاف الى ذلك خروج بعض الشراذم الإرهابية (من "جبهة النصرة" الى "دولة الإسلام في العراق والشام" – داعش) عن سيطرة المعارضة السورية في الخارج، ومنها بالتحديد "الائتلاف الوطني السوري" و"الجيش السوري الحر"، والجرائم التي ترتكبها هذه الشراذم بحق الميليشيات والمدنيين في المناطق التي سيطرت عليها. هذا الواقع الجديد حدا بالقيادة العسكرية الأميركية الى إعادة النظر بالمساعدات التي كانت ترسلها، عبر تركيا والسعودية، الى "المعارضة" ودفع الإدارة الأميركية الى الطلب من السعودية بالإعلان عن تجريم كل من يذهب الى القتال في سوريا وبدعوة مواطنيها الى الخروج من المعركة. كما سعت الإدارة الأميركية كذلك لدى تركيا للحد من حركة الجماعات الإرهابية التي كانت تنتقل بحرية على طول الحدود التركية – السورية وتتغذى بفعل فتح مطارات ومواني تركيا أمام آلاف المرتزقة القادمين من أوروبا والعالم العربي للقتال في سوريا...
أما السبب الثالث فيكمن في تفاقم الأزمة المعيشية في الداخل السوري، إن في المناطق التي يسيطر عليها النظام أم في تلك التي تقع تحت سيطرة القوى "المعارضة" على اختلافها. ولا بد من الإشارة، هنا، الى انتشار الجوع والأوبئة، خاصة في المناطق المحاصرة، والى توسع دور المافيات، خاصة تلك المقربة من بعض مواقع الحكم، عدا عن استمرار النزيف البشري باتجاه دول الجوار (التي أقفل بعضها الحدود أمام تدفق النازحين) وعدم التزام الدول العربية والأمم المتحدة بالتزاماتها تجاه المهجّرين السوريين في الداخل والخارج.
لذا، كان لا بد من فرض هدنة مؤقتة سعى إليها في نفس الوقت النظام والمعارضة، بهدف تلميع الصورة المكفهرة. هدنة التقت وحاجة الولايات المتحدة وروسيا إلى مراجعة للوضع على صعيد المنطقة العربية ككل ومعها الشرق الأوسط، وذلك من أجل تحديد حصة كل منهما في مشروع إعادة ترتيب منابع النفط والغاز القديمة، وبالتحديد العراق وإيران، وتلك المكتشفة حديثاً في شرق البحر الأبيض المتوسط (امتدادا من غزة الى شواطئ سوريا وقبرص)، دون أن ننسى مسألة الاتفاق النووي مع إيران واقتراب موعد مرحلته الثانية، ودون أن نسقط من الحساب المساعي المبذولة من موسكو وواشنطن باتجاه البلدان التي شهدت أنظمة الحكم فيها تغيّرات جذرية (مصر، مثلا)... هذه الهدنة أعادت فتح الطريق أمام انعقاد مؤتمر جنيف الثاني، بعد أن كان قد أجّل مراراً، إنما دون الإسراع في إيجاد حل ثابت... بانتظار النتائج التي ستسفر عنها التحركات الجديدة على طول الجبهات العسكرية، من جهة، والعقود التي ستنجم عن التزاحم الأميركي – الروسي في مجالي سياسات التسلّح واستثمار منابع النفط والغاز داخل مياه الحوض الشرقي للمتوسط.
انطلاقا مما تقدّم يمكن القول أن تعثر مؤتمر "جنيف 2" ليس تعثرا مؤقتا طالما أن الحل مرتبط بإعادة تنظيم وضع المنطقة العربية ككل. وهذا يعني أن المباحثات السياسية لن تسفر سريعا عن وقف القتال الدائر في سوريا وما يترافق معه من تدمير منظم وقتل وتهجير. بل إن التطورات العسكرية والأمنية، والاقتصادية خاصة، ستزداد سوءا ومعها الفاتورة الإنسانية والمالية التي سيضطر الشعب السوري لتسديدها؛ فإذا كانت تقارير الأمم المتحدة تقدر كلفة الإعمار، حاليا، بما يقارب 200 مليار دولار، فان هذا الرقم سيزداد سريعا مع مرور الزمن... هذا، عدا عما سيخلفه استمرار الصراع العسكري من تعمّق الانقسام الطائفي، وعن الآثار المدمرة التي ستتركها المجموعات الإرهابية المنفلتة من عقالها، ليس فقط في الداخل السوري، بل في دول الجوار، بدءا بتركيا وانتهاء بلبنان. كما لن تكون دول الخليج والدول الأوروبية (التي شكّلت في مرحلة ما خزانا لتلك المجموعات) بمنأى عن التأثيرات والتداعيات السلبية التي ستنجم عن عودة المقاتلين الى ديارهم. وللأوروبيين والعرب في ذلك تجربة سابقة، أيام من كان يطلق عليهم لقب "الأفغان العرب"، إبان الحرب الأميركية ضد الاتحاد السوفياتي في أفغانستان.

الحلول الأميركية – الإسرائيلية المطروحة لتصفية القضية الفلسطينية

وفي الوقت الذي تشتد فيه المعارك العسكرية في سوريا ويشتد حمّام الدم فيها، تنطلق معركة من نوع آخر في فلسطين المحتلة، مهّد لها الضغط الذي نفّذته إدارة أوباما، منذ تموز 2013 على الجانب الفلسطيني الرسمي لحمله، أولا، على العودة الى المفاوضات دون قيد أو شرط، بما في ذلك شرط وقف الاستيطان، ولجعله، ثانيا، يوافق على الخطة الأميركية الجديدة التي وضعها وزير الخارجية جون كيري والتي تحمل اسم "الاتفاق – الإطار".
تشكّل هذه الخطة المرحلة الثانية، الأخطر، لاتفاق أوسلو، في ظل وضع سياسي فلسطيني هش، يسيطر عليه استمرار الانقسامات الداخلية والتقاتل، ووضع عربي لا يضع القضية الفلسطينية ضمن أولوياته الحالية. بل، يمكن القول أن بعض الأنظمة العربية، وبالتحديد السعودية والأردن، قد أعلنت موافقتها رسميا على مقترحات كيري حتى بدون الحصول على نص مكتوب لها.
وإذا ما أردنا إعطاء صورة عما رشح عن الخطة الأميركية الجديدة من قبل واضعها، لقلنا أنها، في حال لم تتم مواجهتها بالمستوى المطلوب، تؤدي مباشرة الى تصفية القضية الفلسطينية.
فهي، أولا، تؤكد على ضرورة الاعتراف بإسرائيل كدولة لليهود في العالم، بما يحقق المشروع الصهيوني، من جهة، ويؤدي، من جهة ثانية، الى "ترانسفير" جديد، باتجاه الضفة الغربية أو الأردن، لمن صمد من الفلسطينيين في أراضي 1948. وقد مهّدت إسرائيل والولايات المتحدة لهذا الإعلان، منذ أكثر من أربع سنوات، وبالتحديد بعيد خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما في جامعة القاهرة؛ فأصدرت قانونا جديدا للجنسية يساعد على تطبيق مبدأ الصفاء الديني، ليس فقط في تلك المناطق، بل في كل الأرض الفلسطينية المحتلة قبل العام 1967 وبعده، إذ إنها حصلت على موافقة من واشنطن حول شعار "تبادل الأراضي" الذي أطلقة وزير خارجيتها ليبرمان، وهو شعار يعني وضع يد الكيان الإسرائيلي على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية القريبة من حدود 1948 والتي أنشئت عليها المستعمرات... خاصة في محيط القدس.
وهي، ثانيا، تتجاهل كليا ضرورة تطبيق قرارات الأمم المتعلقة بمصير اللاجئين الفلسطينيين، وبالتحديد القرار 194 المتعلق بحق العودة، ليس فقط الى الضفة الغربية وقطاع غزة بل كذلك الى أراضي 1948. كما أنها تتجاهل مصير القدس كعاصمة للدولة الفلسطينية الوطنية، بل ومصير المستعمرات الصهيونية المستمرة في التوسع بحيث باتت تحتل جزءا كبيرا من الأرض الفلسطينية.
ثم إن الخطة – التي تعترف شكليا بوجود دولتين "مستقلتين" – تقرّ، ثالثا، بحق الكيان الإسرائيلي في حماية أمنه من خلال نشر قوة عسكرية، مهمتها الإشراف على الحدود الفاصلة بين "الدولتين" لمدة تتراوح بين عشر سنوات وخمسة عشر سنة، وتسلّم إسرائيل مهمة الأمن بين الضفة الغربية والأردن، وبالتحديد على طول وادي نهر الأردن، عبر أنظمة مراقبة متطوّرة ثابتة ودائمة. هذا الحق الذي ترجمته إحدى اللجان الوزارية الإسرائيلية بإصدار توصية تدعو لوضع اليد كاملة على وادي نهر الأردن، "حتى في حال الاتفاق مع الفلسطينيين". هذه التوصية التي لم تنتظر طويلا للانتقال الى حيّز التنفيذ بعد إقدام مجموعة من نواب اليمين الإسرائيلي المتطرف، بقيادة وزير الداخلية جدعون سعار، على افتتاح مستعمرة، هي الأولى من نوعها، في وادي نهر الأردن كونه "إسرائيلياً، وسيبقى".
إلا أن الأخطر يكمن في ما سربه جون كيري، ومعه بعض وسائل الاعلام الأميركية، بخصوص موافقة السلطة الفلسطينية، ممثلة بالرئيس الفلسطيني محمود عباس، على المشروع الأميركي – الصهيوني، بما في ذلك التراجع عن حق العودة، وكذلك في اقتصار ردود الفعل الصادرة عن القوى السياسية الفلسطينية على بعض التصريحات والبيانات المستنكرة، دون أن يترافق ذلك مع تحركات جدية لمواجهة المخاطر التي ستنجم عنه، خاصة بالنسبة للاجئين الفلسطينيين.

الوضع اللبناني بين أزمات المنطقة وأزمة نظامه الطائفي

على وقع ما يجري في المنطقة، وبالتزامن مع المشاريع الامبريالية – الصهيونية لإبقاء المنطقة تحت سيطرتها الثنائية، وما يترافق معها من محاولات لإعادة تقسيم المنطقة من قبل القطب الروسي، يواجه الشعب اللبناني أزمات متعددة ومتنوعة، إنما متداخلة في ما بينها ومترابطة الواحدة مع الأخرى. أهم هذه العوامل ثلاث : انعكاس الوضع السوري بكل تشعباته الداخلية والإقليمية على كل جوانب الحياة، وعودة العامل الفلسطيني-الإسرائيلي الى الضوء بعد أن تراجع لفترة طويلة (منذ عدوان العام 1982)، وحالة الهريان الشديد التي بلغها النظام الطائفي والتي أصبحت تهدد الوجود الوطني برمته.
1 – انعكاس الوضع السوري بكل تشعباته الداخلية والإقليمية :
شكّلت الأزمة السورية، التي تلت ثلاثين عاما من الوجود العسكري والأمني السوري في لبنان، ومن التدخل المباشر في الشؤون الداخلية، أحد أوجه الانقسام الحاد بين فريقي البرجوازية اللبنانية المتمثلين في "8 آذار" و"14 آذار". وتجلى هذا الانقسام في تصعيد التعبئة المذهبية السنية – الشيعية التي انطلقت بعيد الحرب الامبريالية على العراق في ظل "مشروع الشرق الأوسط الجديد" الذي أطلقه جورج بوش الابن (بالاستناد الى مشروعين وضع أحدهما هنري كيسنجر والثاني زبيغنيو بريجنسكي)؛ هذا المشروع الهادف الى تقسيم العالم العربي، والشرق الأوسط عموما، الى دويلات طائفية ضعيفة ومتصارعة في ما بينها، بما يسمح للامبريالية الأميركية من إبقاء سيطرتها على المخزون الأساسي للبترول والغاز في العالم، وعلى طرق نقله، ويعطي الكيان الإسرائيلي شرعية إعلان نفسه دولة لليهود في العالم. وشهدت الساحة اللبنانية، منذ ثلاث سنوات، استنفارا غير مسبوق ترجم انفجارات طائفية متنقلة بين طرابلس وصيدا والبقاع، مرورا ببيروت. وزاد من حدة الاستنفار دخول طرفي البرجوازية (8 و14 آذار) على خط القتال الى جانب طرفي النزاع في سوريا، على الرغم من الموقف الذي الحكومة اللبنانية آنذاك بالدعوة الى اتباع سياسة "النأي بالنفس" لحماية لبنان من الانعكاسات السلبية للأزمة السورية.
واليوم، ومع تصاعد حدة المعارك، ومع تفاقم الصراع بين قوى النظام، المدعومة من محور روسيا –إيران، وقوى المعارضة بما فيها الجماعات السياسية الدينية المتطرفة، المدعومة من محور واشنطن – الاتحاد الأوروبي – السعودية - تركيا، وتحوّل هذه المعركة الى صراع دولي بكل ما للكلمة من معنى، كان لا بد من أن تنتقل المعركة الى لبنان بكل جوانبها وتجلياتها. لذا ازدادت حدة التقاتل الطائفي مؤخرا، على وقع تقاذف التهم بين أطراف الطبقة المسيطرة، وأصبحت "العرقنة" حقيقة واقعة تتمثل في التفجيرات الإرهابية الانتحارية والسيارات المفخخة وتزاحم القوى الظلامية على الحدود اللبنانية السورية، من ضمن تشكيلات المعارضة السورية وغيرها من التشكيلات الآتية من المخيمات الفلسطينية وكذلك من الخليج والمغرب العربيين ومن الدول الأوروبية والأفريقية، في مواجهة مع قوى أخرى تدعم النظام السوري ماديا وعسكريا. ولا يمر أسبوع واحد دون حصول تفجير انتحاري على الأقل يحصد القتلى والجرحى بالعشرات، عدا عما يتركه سقوط الصواريخ الآتية من المناطق السورية القريبة من دمار وخراب.
يضاف الى هذا الواقع العسكري المتفاقم واقع متفاقم من نوع آخر، يتمثّل في تجاوز عدد المهجرين السوريين المليون، يضاف إليهم حوالي مائة ألف مهجر فلسطيني جديد من المخيمات المتواجدة في سوريا، بما يرفع عدد النازحين السوريين والفلسطينيين (بمن فيهم اللاجئين منذ العام 1948) الى ثلث سكان لبنان. من هنا، يمكن القول أن النزوح السوري الكبير الى لبنان تحوّل، منذ عام تقريبا، الى مشكلة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، إضافة الى المشاكل الأمنية المشار إليها، خاصة على ضوء الأزمة الحادة التي يرزح الاقتصاد اللبناني تحت ثقلها. وتتمثل هذه الأزمة المتفاقمة اليوم بارتفاع معدلات البطالة بين اللبنانيين بشكل مخيف بعد أن استبدلوا باليد العاملة السورية الأقل كلفة. ولا ننسى ارتفاع أسعار المواد الغذائية، نتيجة تزايد الطلب عليها، وانتشار المتسولين في كل شوارع وأزقة العاصمة والمدن اللبنانية الكبرى. وتترافق مع كل ذلك المشاكل الكبيرة الناجمة عن ضرورة تأمين المسكن للهاربين من المعارك وإيجاد مقاعد للتلامذة والطلاب السوريين... هذا، في وقت أقفلت كل الحدود الأخرى (تركيا والأردن) أمام النازحين ولم تلتزم الدول العربية بتعهداتها في مد يد العون لهم إلا لماما.
2 – مشروع الحرب الإسرائيلية الجديدة على لبنان
بالإضافة الى تلك الأزمة المستجدة، يستمر احتمال العدوان الإسرائيلي مسيطرا على الجنوب اللبناني خاصة. وتستمر معه الخروق الإسرائيلية اليومية للخط الأزرق الحدودي، برا وجوا، على رغم تواجد قوات الأمم المتحدة (اليونيفيل) التي يقتصر دورها على توثيق الانتهاكات ضد لبنان وإرسال التقارير عنها الى الأمانة العامة للأمم المتحدة. يضاف الى كل ذلك الخرق الفاضح للمياه الإقليمية اللبنانية، ومحاولة ضم ما يزيد على 335 كيلومترا مربعا منها بعد اكتشاف حقل جديد للنفط ضمنها، خاصة وأن الأمم المتحدة لم تعترف بعد بأحقية لبنان عليها، مكتفية بتثبيت سيادته على 530 كيلومترا مربعا فقط من أصل 853 المتنازع عليها مع الكيان الإسرائيلي.
الى تلك الخروق لا بد من إضافة المناورات الدورية التي تجري على حدودنا الجنوبية والتي كانت آخرها في أوائل العام الحالي تحت عنوان مواجهة هجمات احتمالية للمقاومة وشن هجمات برية على قواعدها. كما تجدر الإشارة الى كل التهديدات الصادرة، منذ بداية العام 2014 الحالي، عن مسؤولين إسرائيليين، وفي مقدمتهم بنيامين نتنياهو الذي حذّر من مغبة عودة حزب الله الى الحكومة اللبنانية. ويقول قائد القوات الجوية عمير ايشيل أن قيادة الكيان الإسرائيلي قد وضعت خطة متكاملة لقصف المناطق السكنية والبنى التحتية اللبنانية في بيروت والبقاع والجنوب، بحجة أنها تضم "الآلاف من قواعد حزب الله التي تهدد دولة إسرائيل ومناطقها الداخلية"، ويتفاخر قائلا أن قدرات العدو على مهاجمة أهداف لبنانية "على نطاق واسع وبدقّة عالية أصبحت اليوم تزيد 15 مرّة عما كانت عليه في حرب 2006".
وإذا ما نظرنا الى الدوافع والأسباب الكامنة وراء التصعيد الإسرائيلي، لقلنا أن حكومة العدو، التي تهدف الى توسيع تهجير الفلسطينيين ووضع اليد على المزيد من الأرض الفلسطينية، إنما تحاول طمأنة المستوطنين الصهاينة بأنها قادرة على حمايتهم من أي ردة فعل قد تنجم عن بداية تطبيق خطة التهجير التي تنوي البدء بتطبيقها بالاتفاق مع الإدارة الأميركية. إلا أن هذا لا يعني استبعاد احتمال العدوان على لبنان وتوجيه ضربة للبنى التحتية اللبنانية، بالاستفادة من الانقسامات الطائفية والمذهبية الحادة وكذلك من التحركات الإرهابية التي تتخذ بعض المخيمات الفلسطينية منطلقا لها أو تستخدم بعض الشباب الفلسطينيين وقودا لعملياتها الانتحارية.
3 – حالة الهريان في النظام الطائفي تهدد الوجود الوطني
لقد أشرنا الى المخاطر في الوضع الداخلي، الناجمة عن تداعيات الوضع السوري وما خلّفه من انقسام طائفي ومذهبي؛ كما اشرنا الى احتمالات دخول العدو الإسرائيلي على خط "الخربطة الداخلية"... يبقى أن نشير الى الوضع السياسي الداخلي في ظل هذين الخطرين.
لقد أدى تدخل القوى السياسية المسيطرة في الوضع اللبناني، في الثامن والرابع عشر من آذار، الى شل كافة مؤسسات الدولة لفترة تزيد على العشرة أشهر. وإذا كانت الحكومة قد تشكّلت بفعل تلاقي المواقف الأميركية – السعودية مع الموقف الإيراني حول عنوان التهدئة بانتظار ما سيؤول إليه الوضع السوري، من جهة، وتقاطع المصالح الأميركية – الروسية حول عنوان تلزيم النفط والغاز اللبناني، من جهة ثانية، إلا أن هذه الحكومة عاجزة عن تأمين أبسط متطلبات ضبط الوضع الأمني على الحدود اللبنانية – السورية المفتوحة أمام كل أنواع الاختراقات. يضاف الى ذلك أن كل المؤشرات تدل على صعوبة الفصل بين انتخابات رئاسة الجمهورية، التي من المفترض أن تحصل في أواسط أيار 2014، وبين تطور الوضع الميداني لسوريا، الذي يشكل، كما أسلفنا، المنطلق للحل في اجتماعات جنيف (أو غيرها)، بما يعني أن لبنان مقبل، ربما، على فراغ في رئاسة الجمهورية. كل ذلك يعني العودة الى احتمال التفجير الذي يسعى له أكثر من طرف في الداخل والخارج.
4 – الوضع الاقتصادي
يستمر الطابع الريعي للاقتصاد اللبناني في تأجيج المساواة بين اللبنانيين، بالتالي مكرساً لمظاهر الفقر والبطالة والهجرة. ونتناول في هذا القسم بعض المؤشرات الراهنة للاقتصاد اللبناني.
• تشكل الوكالات الحصرية جزءا مهما من اقتصاد الريع، إذ بسببها يصبح استثمار الرأسمال في النشاطات الصناعية غير مجدي مقارنة مع استثماره في النشاطات التجارية ذات مستويات الربح العالية بسبب ثقافة الوكالات الحصرية. ومن المفارقة أن بعض الحملات الأمنية تستهدف حماية مصالح أصحاب الوكالات التجارية الحصرية، مثال على ذلك إعطاء شركة واحدة حق توزيع الغاز المنزلي إلى لبنان بنسبة لا تقل عن 95% من الاستهلاك المحلي، بشراكة زعماء المذاهب. هذا الاحتكار له نتائجه في السوق، إذ انه يمنع أي أحد الدخول والمنافسة، خاصة وأن السلطة بأركانها كافة قد رفضت تحديد الكميات المستوردة وتخصيص الدولة (من خلال منشآت النفط) بحصّة استيراد تغطي جزءاً محدداً من الاستهلاك المحلي. ببساطة، ممنوع على أي كان الدخول إلى قطاع استيراد الغاز وتوزيعه.
• دعم النظام لثقافة الريع في القطاع العقاري الصامد بالمال العام حيث خلصت الدراسات الى أن أسعار الشقق السكنية في لبنان لا تلاءم مداخيل الأسر اللبنانية، وقد تراجع الطلب في القطاع العقاري بسبب ارتفاع الأسعار. ولم يعد لدى معظم اللبنانيين القدرة على شراء شقة للسكن في لبنان. فباستثناء المغتربين، وقلّة من المقتدرين، بات صعباً على أصحاب المداخيل المتوسطة شراء شقّة، وبات التملك مستحيلاً على أصحاب المداخيل المتدنية. ولكن نهاية مرحلة الفقاعة التي لم تنفجر، أدّت إلى تقهقر الأسعار من دون انهيارها بصورة واسعة. ومن أهم أسباب صمود القطاع العقاري هو ضخّ السيولة من مصرف لبنان إليه ؛ ووفق تعاميم مصرف لبنان، فقد بلغت حصّة هذا القطاع نحو 60% من مجمل المبالغ التي أقرضها مصرف لبنان للمصارف بفائدة 1%. وهذا الأمر، الذي حقق أرباحاً كبيرة للمصارف، منعها من رفع الفوائد على القروض السكنية محفزاً الاستدانة على المدى الطويل. وتوجه القسم الأساسي من هذا الدعم الى تجار العقارات، الذين رفعوا الأسعار من خلال المضاربات، واستفادت المصارف أيضا من خلال تمويل هذه العمليات بفائدة مدعومة. أما المستهلكين الذين تملكوا شققاً، فقد استدانوا على المدى الطويل لشراء مساكن بأسعار باهظة وغير منطقية. هذا هو الريع، مرة أخرى يحقق الثروات لممارسيه من الطبقة الثرية والمقتدرة، ويستجلب الكوارث على الطبقة الوسطى والفقيرة. الريع هو التفسير الوحيد لتفاوت مداخيل الأسر اللبنانية مقارنة بكلفة السكن. ومن المؤشرات المهمة أن قيمة القروض التي حصل عليها تجّار البناء خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2013 هي 526 مليون دولار، وهذه القروض ليست كل محفظة القروض التي يحصل عليها فعلياً تجار الأبنية، فبحسب إحصاءات مصرف لبنان، تبلغ قيمة القروض المصرفية المرتبطة بالعقارات 5،16 مليار دولار، أي 7،32% من مجمل التسليفات الممنوحة للقطاع الخاص. هذا، في وقت لا
يعترف فيه نظام الريع بحق المواطنين في الحصول على سكن لائق، وهو من الحقوق الأساسيّة التي نصت عليها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان والتي وقّع عليها لبنان. فمنذ عام 1975 حتى اليوم، شهدت أسعار العقارات أعلى معدّلات التضخم بين جميع السلع الأخرى. تضاعفت أسعار الشقق خلالها مئات المرّات، فيما تصحيح الرواتب بقي هزيلاً مقارنةً بتطور أسعار الشقق في ظل عدم اعتراف الدولة بضرورة وضع مخطط سكني شامل يؤمن مساكن بأسعار مقبولة للفقراء وذوي الدخل المحدود.
• السطو على الأملاك العامة، حيث يتم توقيع مراسيم تجيز لأصحاب الرساميل السيطرة على أجزاء مهمّة من الأملاك العامّة البحرية بذريعة إقامة منشآت سياحية. وبالتالي يقدّم المسؤولين التغطية القانونية لعمليات السطو على الأملاك العامّة وتشويه العمران.
• الاستمرار في تهميش القطاع الزراعي، حيث من المتوقع أن ترتفع كلفة الزراعة بدرجة كبيرة هذا العام في ظل ندرة المتساقطات، مما ينذر بعواقب وخيمة على الزراعة خاصة مع عدم وجود التزام جدي من قبل النظام بدعم هذا القطاع المهم الذي يستطيع أن يؤمن العديد من فرص العمل، ويحد من الهجرة من الريف الى المدينة ويساهم في تنمية متوازنة بين المناطق. فالمخاطر البيئية وتفشي أمراض جديدة وعدم توفير الري التكميلي للعديد من الحقول ستؤدي كلها الى ارتفاع كلفة زراعة القمح والشعير وغيرها مما سيرفع بالتأكيد من أسعارها. ويفيد مسح سابق، أجرته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة في البقاع وعكار، أن 84٪ من المزارعين أبلغوا عن ظهور أمراض الحمى القلاعية وطاعون المجترات الصغيرة والكثير من المشاكل المتعلقة بالأمراض الحيوانية. هذا الواقع ازداد سوءاً بفعل نزوح عدد كبير جدا من الرعاة السوريين مع قطعانهم من الأغنام والماعز والأبقار غير المحصنة.
• تثبيت نقابات الريع، حيث للنظام الريعي نقاباته التي بدورها تدعمه عبر دعم الخصخصة كما صرح رئيس الاتحاد العمالي العام مؤخراً، عبر ما يُسمى « الشراكة مع القطاع الخاص ». وعلى الرغم من أن الموقف "الرسمي" للاتحاد هو (حتى الآن) ضد الخصخصة، إلا أن رئيسه يدعو الى "إعادة النظر في موقف نقابات العمال من مشاريع الشراكة" !
• تفاقم معدّلات البطالة بين الشباب، التي وصلت إلى 26، حيث تلحظ الدراسات الحديثة للبنك الدولي الترابط بين الريع، الهجرة والبطالة. ويستنتج البنك الدولي أن تحويلات المغتربين تسهم في ظاهرة البطالة الطوعية... فتحويلات المغتربين التي تستفيد منها المصارف والقطاع المالي لا تؤدي إلى خلق اقتصاد يمكنه توليد فرص عمل تساعد على خفض مستويات البطالة والفقر. وبحسب تقديرات وزارة العمل، فإن معدل البطالة كان يراوح بين 12% و 13% في عام 2013. ويزيد المعدّل إلى الضعفين بين الشباب في الفئة العمرية دون 25 عاماً، وكذلك بين الحاصلين على مستويات تعليمية عالية. كذلك، إن معدّل التوظيف في القطاع غير الرسمي الذي لا يمنح أية تقديمات أو ضمانات اجتماعية للعاملين ضمنه مرتفع، وقد ازداد في الآونة الأخيرة. فبحسب تقديرات صندوق النقد الدولي، إن أكثر من ثلث العاملين يعملون في القطاع غير الرسمي
• تفاقم العجز والدين العام، حيث تدل المؤشرات الحديثة للبنك الدولي أن اقتصاد لبنان غير المنتج في عامي 2013 و2014 سيظل ضعيفاً عند 1.5%. ويتبيّن أن عجز الحسابات المالية والجارية والدين العام مستمرّان، الأمر الذي يخلق احتياجات تمويلية كبيرة؛ فقد زاد عجز المالية العامة أكثر من 81% في حزيران 2013 بسبب زيادة النفقات الدائمة للميزانية التي طُبِّقت في عام 2012 ومُدِّدت حتى 2013. وتظهر بيانات وزارة المال أن العجز بلغ 9،1مليار دولار في الأشهر الستة الأولى من 2013 مقارنة مع 1،1 مليار دولار في الفترة نفسها من 2012، وهي زيادة نسبتها 68 % في ستة أشهر فحسب. ويتوقع أن يبقى العجز مرتفعاً في عام 2014، مقترباً من 10% من إجمالي الناتج المحلي، وهو مؤشر خطير في بلد يعاني من دين عام متضخم قدر بنحو 137% من إجمالي الناتج المحلي في 2013 ! أما بحسب خبراء معهد التمويل الدولي فعجز المالية العامّة سيبلغ 12% من الناتج، وقد يتضخم الدين نسبة إلى الناتج نفسه ليبلغ 157% في العام المقبل. وطبقاً لسيناريو كهذا قد يشهد القطاع المصرفي هبوطاً حاداً في مستوى السيولة؛ وإن كانت فرضية مستبعدة، لكن إذا تحققت فهي تمثل خطراً كبيراً على القدرة على إدارة الدين.
• والمفارقة الأخيرة، وهدية النظام الريعي المذهبي للشعب اللبناني، هي انه في ظل تسجيل 126.1 مليون دولار كأرباح لشركات التأمين العاملة في لبنان لعام 2012 (وهو نمو بنسبة 16.21%، بين الأعوام 2006 و2012)، وفي ظل الحديث عن أن أرباح القطاع المصرفي للعام 2013 لن تكون أقل من 1.6 مليار دولار، وأنها قد تزيد قليلاً خلافاً لما حصل في عام 2012، تسجل عمالة الأطفال في لبنان النسبة الأعلى في العالم، إذ أن أكثر من 100 ألف طفل يقعون ضحايا عمل الأطفال والاتجار بهم في لبنان بحسب اللجنة الوطنية لمكافحة عمل الأطفال ومنظمة العمل الدولية.

خاتمة
لقد عمد الحزب الشيوعي اللبناني، منذ صيف العام 2012، الى التنبيه الى خطورة الأوضاع في لبنان على كافة الأصعدة، بدءا بالأزمة الاقتصادية – الاجتماعية، والى احتمالات الفتنة المؤدية الى حرب أهلية جديدة بفعل تدويل الأزمة السورية والمحاولات الأميركية - الإسرائيلية المستمرة لتصفية القضية الفلسطينية. كما بادر الى تجميع القوى السياسية والشعبية ذات المصلحة في صيانة العامل الوطني وإبعاد شبح الحرب الأهلية الطائفية مجددا عن وطننا وشعبنا، من خلال المبادرة التي أطلقها حول السلم الأهلي وكذلك من خلال التحرك النقابي المهم في القطاعين العام والخاص (التحرك حول سلسلة الرتب والرواتب في القطاع العام والعمل على إنشاء المركز النقابي الديمقراطي كنواة للمؤتمر النقابي الشعبي من أجل التغيير).و
وهو يعود اليوم ليدعو اللبنانيين الى الوحدة القائمة على أسس بناء الدولة الديمقراطية المدنية، الدولة الفاعلة وذات التوجه الوطني، دولة التقدم الاجتماعي، التي تستطيع السير بالوطن عكس الانقسام الطائفي الذي تزداد مخاطره يوما بعد يوم والتي تخرج البلاد من الأزمات الاقتصادية - الاجتماعية التي تعصف بها.

لجنة العلاقات الخارجية
في الحزب الشيوعي اللبناني
4 آذار – مارس 2014

Pour vous inscrire à notre liste de diffusion "Assawra"
faites la demande à l’adresse : Assawra1-subscribe@yahoogroupes.fr

<FONT color=#ff0000 face=Arial>Pétition
Non au terrorisme de l’Etat d’Israël
<A href=http://www.Assawra.Info/spip.php?article10>http://www.Assawra.Info/spip.php?article10